القرطبي
35
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قلت : وفيه بعد ، فإن حق العماد أن يكون بين شيئين مثلا زمين ، مثل قوله : " إن كان هذا هو الحق ( 1 ) " ، وقوله : " ولكن كانوا هم الظالمين ( 2 ) " ونحو ذلك . وقيل : " ما " عاملة حجازية ، و " هو " اسمها ، والخبر في " بمزحزحه " . وقالت طائفة : " هو " ضمير الامر والشأن . ابن عطية : وفيه بعد ، فإن المحفوظ عن النحاة أن يفسر بجملة سالمة من حرف جر . وقوله : " بمزحزحه " الزحزحة : الابعاد والتنحية ، يقال : زحزحته أي باعدته فتزحزح أي تنحى وتباعد ، يكون لازما ومتعديا ، قال الشاعر في المتعدي : يا قابض الروح من نفس إذا احتضرت * وغافر الذنب زحزحني عن النار وأنشده ذو الرمة : يا قابض الروح عن جسم عصى زمنا * وغافر الذنب زحزحني عن النار وقال آخر في اللازم : خليلي ما بال الدجى لا يتزحزح * وما بال ضوء الصبح لا يتوضح وروى النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من صام يوما في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار سبعين خريفا ) . قوله تعالى : " والله بصير بما يعملون " أي بما يعمل هؤلاء الذين يود أحدهم أن يعمر ألف سنة . ومن قرأ بالتاء فالتقدير عنده . قل لهم يا محمد الله بصير بما تعملون . وقال العلماء : وصف الله عز وجل نفسه بأنه بصير على معنى أنه عالم بخفيات الأمور . والبصير في كلام العرب : العالم بالشئ الخبير به ، ومنه قولهم : فلان بصير بالطب ، وبصير بالفقه ، وبصير بملاقاة الرجال ، قال : فإن تسألوني بالنساء فإنني * بصير بأدواء النساء طبيب قال الخطابي : البصير العالم ، والبصير المبصر . وقيل : وصف تعالى نفسه بأنه بصير على معنى جاعل الأشياء المبصرة ذوات إبصار ، أي مدركة للمبصرات بما خلق لها من الآلة المدركة والقوة ، فالله بصير بعباده ، أي جاعل عباده مبصرين .
--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 398 . ( 2 ) راجع ج 16 ص 115 .